شرع المغرب في تنفيذ تحول عميق لنموذجه الطاقي، عبر تعزيز اعتماد مصادر بديلة للطاقة، في مقدمتها الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر، وذلك في إطار استراتيجيته للانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون. وتستند هذه الاستراتيجية إلى ثلاثة ركائز رئيسية: الطاقات المتجددة، الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر.
وفي ظل الالتزامات المناخية التي تعهد بها المغرب، يهدف المخطط الوطني إلى رفع حصة الغاز الطبيعي إلى 30% من المزيج الطاقي الوطني بحلول سنة 2030، وفق ما أعلنته ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، خلال الدورة الـ16 لمؤتمر الطاقة المنظم يوم 23 أبريل بطانطان. كما أكدت الوزيرة إطلاق طلب لإبداء الاهتمام قصد تطوير البنية التحتية الغازية الوطنية، يشمل إنشاء محطة للغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور غرب المتوسط، وبناء شبكة أنابيب لربط المحطة بأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، مع تزويد محطات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، إضافة إلى عدد من المناطق الصناعية من المحمدية إلى القنيطرة.
ويُرتقب أن تُربط هذه الشبكات لاحقاً بمحطات الغاز المرتقبة على الواجهة الأطلسية، وبأنبوب الغاز “أفريقيا الأطلسي” الجاري تطويره عبر ميناء الداخلة، والذي يُتوقع أن تصل قدرته السنوية إلى 30 مليار متر مكعب، منها 15 مليار مخصصة للتصدير نحو أوروبا عبر الربط مع أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي.
وفي الجانب المتعلق بالهيدروجين الأخضر، أحرز المغرب تقدماً استراتيجياً في هيكلة هذا القطاع، حيث تلقت الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (MASEN) أكثر من 40 عرض اهتمام من شركات دولية، وتم مؤخراً اختيار أول ستة تحالفات كبرى لتطوير مشاريع رائدة، من بينها مجموعات Acciona وCepsa الإسبانيتان، وNordex الألمانية، وOrtus الأمريكية، وTaqa الإماراتية. كما يُضاف إلى هذه المشاريع الاتفاقان الموقعان أمام الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكتوبر 2024.
ويستهدف المغرب في أفق سنة 2030 بلوغ قدرة إنتاجية تصل إلى 120 غيغاواط من الطاقات المتجددة، وجذب استثمارات تفوق 300 مليار دولار في مجال الهيدروجين الأخضر، ما يعزز موقعه كوجهة تنافسية على صعيد القارة الإفريقية.
من جهة أخرى، تم الانتهاء من دراسة الجدوى والتصميم الهندسي الأولي لأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، إلى جانب تحديد المسار الأمثل للمشروع، وفق ما أعلنته وزيرة الانتقال الطاقي، التي كشفت أيضاً عن العمل على إنشاء شركة خاصة لتدبير هذا المشروع الضخم.
ويرى محمد رشيد إدريسي قايتوني، رئيس فدرالية الطاقة، أن الغاز الطبيعي يظل الخيار الأكثر واقعية على المدى القصير والمتوسط، نظراً لدوره في خفض انبعاثات الكربون بشكل فوري وضمان استقرار الشبكة الكهربائية.
وفي السياق ذاته، يؤكد بدر يكن، رئيس مجلس الأعمال المغربي الألماني، أن الأولوية على المدى القصير تتمثل في تطوير الأمونياك الأخضر، المنتج محلياً انطلاقاً من الهيدروجين الأخضر والموجه نحو قطاع الأسمدة، مشيراً إلى أن أنبوب نيجيريا-المغرب سيلعب دوراً محورياً مستقبلاً، عبر دمج الهيدروجين الأخضر في شبكة الغاز (blending)، ما من شأنه تقليص البصمة الكربونية للصادرات وتعزيز مرونة الشبكة.
ويأمل المغرب مستقبلاً في استقطاب صناعات تعتمد على الهيدروجين الأخضر مثل صناعة الحديد منخفض الكربون، والصناعات الكيماوية ومواد البناء النظيفة، وهو ما يتطلب تهيئة بنية تحتية متكاملة ورفع قدرات الإنتاج والتكوين.
وفي ما يخص التمويل، تؤكد فاطمة الزهراء الخليفة، المديرة العامة لقطب الطاقات المتجددة (Cluster ENR)، أن إنجاح هذا التحول يتطلب تعبئة موارد مالية ضخمة، إذ تقدر كلفة خارطة طريق تطوير الهيدروجين الأخضر بأكثر من 500 مليار درهم، منها 27 مليار درهم مخصصة لتعزيز الشبكات خلال السنوات الخمس المقبلة. وشددت على ضرورة اعتماد مزيج تمويلي يجمع بين الموارد العمومية والخاصة والدولية لضمان استدامة المشاريع.