توسع المدن وتسارع الشيخوخة تحول ديمغرافية المغرب

استعرض المندوب السامي للتخطيط، شكيب بنموسى، أبرز التحولات الديمغرافية التي يشهدها المغرب، خلال ندوة نظمها نادي روتاري الرباط إكسيلونس بشراكة مع أندية الروتاري بالرباط وسلا، مسلطا الضوء على الاتجاهات الحالية والآفاق المستقبلية للتركيبة السكانية بالمملكة.

تشير المعطيات التي قدمها بنموسى، إلى أن المغرب دخل مرحلة ديمغرافية جديدة، لم تعد فيها الزيادة العددية للسكان هي العنصر الحاسم، بل طبيعة هذه الزيادة وتوزيعها المجالي والعُمري. فالتسارع الملحوظ في التمدن لا يعكس فقط انتقال السكان نحو المدن، بل يكشف تحولا عميقا في أنماط العيش، وفي بنية الاقتصاد والخدمات، حيث أصبحت الحواضر الكبرى تمتص الجزء الأكبر من الدينامية السكانية.

هذا التحول يطرح، في العمق، تحديا مزدوجا: فمن جهة، تتزايد الضغوط على البنيات التحتية الحضرية، من سكن ونقل وخدمات اجتماعية، ومن جهة أخرى، تتسع الفوارق المجالية مع تراجع الجاذبية الديمغرافية للعالم القروي. ومع استمرار تمركز النمو في عدد محدود من الجهات، يبرز سؤال التوازن الترابي كأحد الرهانات الاستراتيجية التي ستحدد ملامح التنمية في العقود المقبلة.

بالموازاة مع ذلك، يواجه المغرب تحولا صامتا لكنه عميق الأثر، يتمثل في تسارع وتيرة الشيخوخة. فارتفاع نسبة الأشخاص المسنين لم يعد مجرد مؤشر إحصائي، بل أصبح عاملا ضاغطا على منظومات الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، وعلى توازن سوق الشغل أيضا. إذ أن تقلص الفئات الشابة تدريجيا يضعف ما يسمى بـ”العائد الديمغرافي”، الذي شكل في فترات سابقة رافعة للنمو.

أما فئة الشباب، فرغم أنها لا تزال تمثل وزنا مهما داخل المجتمع، فإن تراجع نسبتها يوازيه تحدٍ آخر يتمثل في إدماجها الاقتصادي. فاستمرار نسب البطالة، إلى جانب الهشاشة المرتبطة بالانقطاع المبكر عن الدراسة، يعكس اختلالا في الانتقال من التعليم إلى سوق الشغل، وهو ما قد يحد من قدرة الاقتصاد على الاستفادة من هذه الكتلة البشرية.

في المقابل، تكشف التحولات المرتبطة بحجم الأسر وأنماط العيش عن تغيرات ثقافية واجتماعية عميقة، حيث تتجه الأسر نحو مزيد من التصغير، وتتراجع الأدوار التقليدية داخلها، خاصة في ما يتعلق برعاية المسنين، وهو ما يعزز الحاجة إلى سياسات عمومية جديدة تتجاوز المقاربات الكلاسيكية.

Exit mobile version