بعد أكثر من سبع سنوات على اعتماد توقيت غرينتش +1 طيلة السنة، يعود النقاش بحدة حول “الساعة الإضافية” إلى الواجهة، لكن هذه المرة من زاوية علمية وصحية واقتصادية أشمل. ففي ورقة تحليلية صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) تحت عنوان “السيادة الزمنية بالمغرب” تضع القرار تحت مجهر تقييم جديد، معتبرة أن كلفته المجتمعية قد تفوق مكاسبه المعلنة.
التقرير ينطلق من فرضية بسيطة: الموقع الجغرافي للمغرب في أقصى غرب المنطقة الزمنية يجعل اعتماد +1 دائما أقرب إلى “توقيت صيفي دائم”، بما يخلّ بتزامن الساعة القانونية مع الساعة البيولوجية. استنادا إلى دراسات دولية محكمة، من بينها أبحاث لــ Giuntella & Mazzonna (2019)، يشير التحليل إلى أن العيش في الطرف الغربي من منطقة زمنية يرتبط بفقدان متوسط يقارب 19 دقيقة من النوم يوميا، مع انعكاسات صحية تشمل ارتفاع مخاطر أمراض القلب والسكري والسمنة. الفئة الأكثر هشاشة هي المراهقون، الذين قد يخسرون أكثر من نصف ساعة نوم إضافية يوميا، بما يؤثر في التركيز والتحصيل الدراسي.
على مستوى السلامة الطرقية، يربط التقرير بين الصباح المظلم وارتفاع مخاطر الحوادث، مع الإشارة إلى أن العلاقة ارتباطية وليست سببية مباشرة في الحالة المغربية. غير أن تطور أرقام وفيات السير خلال السنوات الأخيرة يعزز الحاجة إلى تحليل معمّق متعدد العوامل، بدل الاكتفاء بتفسير أحادي.
الحجة الطاقية، التي شكلت أحد أعمدة قرار 2018، تتعرض بدورها للتشكيك. تجارب مقارنة، مثل تجربة تركيا منذ 2016، لم تثبت توفيرا صافيا معتبرا في استهلاك الكهرباء، بل أظهرت دراسات أمريكية أن تمديد ضوء المساء في مناخات حارة قد يرفع الطلب على التكييف. التقرير يدعو إلى نشر بيانات الحمل الكهربائي الساعي لإجراء تقييم مستقل ودقيق.
اقتصاديا، يعترف التحليل بوجود مكسب فعلي يتمثل في تعزيز التداخل الزمني مع أوروبا القارية، وهو عامل مهم لقطاعات ترحيل الخدمات والصناعات الموجهة للتصدير. في المقابل، يخسر المغرب ساعة تداخل مع لندن ونيويورك، ما قد يحد من مرونة الانفتاح على الأسواق الأنجلوسكسونية. كما يبرز التقرير فجوة داخلية: قطاعات الفلاحة والتجارة غير المهيكلة تشتغل بإيقاع شمسي طبيعي، الشيء الذي يخلق نوعا من اللاتزامن مع الإيقاع الإداري والتعليمي.
عمليا، يقترح المركز مسارا ثلاثي المراحل: إجراءات تخفيف فورية خلال فصل الشتاء (منها تأخير مواعيد الدخول)، ثم دراسة كلفة-فائدة مستقلة بإشراف مؤسسات استشارية وطنية مع إتاحة البيانات للباحثين، وصولا إلى حسم سيادي بين ثلاثة خيارات: العودة الدائمة إلى غرينتش، الإبقاء على +1 مع تعويضات تنظيمية داعمة للصحة، أو الرجوع إلى النظام الموسمي.
خلاصة التقرير واضحة: النقاش حول التوقيت ليس تقنيا فحسب، بل يمس الصحة العامة، والعدالة المجالية، وتنافسية الاقتصاد، ونمط عيش المواطنين. الحسم، وفق معدّي الدراسة، ينبغي أن يستند إلى بيانات مفتوحة وتقييم شامل، لا إلى افتراضات غير ممحصة.
