تمضي سيارة نقل الأموات كأنها تذكير خافت بحقيقة يعرفها الجميع ويتجنبون النظر إليها طويلًا. لا ضجيج يسبقها، ولا التفاتة تُطيل الوقوف عندها، لكنها تعبر الشارع بوقارٍ ثقيل. على جانبها عبارة قصيرة، يلتفت إليها من كان قلبه مثقلاً بالفقد ويقرأها بعين مختلفة؛ يقرأها لا بوصفها حبرًا على معدن، بل بوصفها كلمة عزاء في لحظة انكسار.
تلك العبارات، في سياق مجتمع مسلم، ليست مجرد زخرفة لفظية. إنها تعبير هادئ عن هوية جماعية، وعن تصور مشترك للحياة والموت، وعن يقين راسخ بأن النهاية قدر محتوم لكل إنسان. حين تُكتب كلمات تذكّر بالشهادة أو بحقيقة الفناء، فهي لا تغيّر المصير، لكنها تستحضر معنى يتقاسمه الناس، وتضع الفاجعة في إطار روحي مألوف يخفف من حدّتها.
إزالة هذه العبارات قد تبدو، من زاوية تنظيمية بحتة، إجراءً تقنيًا لا يتجاوز مسألة توحيد المعايير. غير أن الأثر النفسي يتجاوز حدود التقنية. لأن ما يُمحى ليس نصًا فحسب، بل رمزًا اعتاد الناس رؤيته في لحظة هشاشة قصوى. وفي مثل هذه اللحظات، تكون الرموز جزءًا من طقس المواساة، ومن الشعور بأن المجتمع، بقيمه المشتركة، حاضر في الوداع.
لا يتعلق الأمر بفرض خطاب أو بإقصاء آخر، بل بالاعتراف بأن الفضاء العام في مجتمع ذي مرجعية إسلامية يعكس، في بعض مظاهره، هذه المرجعية بصورة طبيعية ومتوازنة. وحين تُحذف عبارات اعتاد الناس اعتبارها جزءًا من مشهد الوداع، قد يُفهم ذلك على أنه مساس بشعور جمعي أكثر منه تعديلًا إداريًا.
المؤلم ليس في تنظيم الكتابات، بل في ترتيب الأولويات. لأن الجرح الحقيقي يكمن في غياب السيارة أصلًا، أو في تأخرها، أو في تحويلها إلى خدمة مشروطة باعتبارات ضيقة. هناك أسر لا تسأل عمّا كُتب على الهيكل، بل تسأل: هل ستصل السيارة في الوقت المناسب؟ هل سنجد من يقودها؟ هل نستطيع تحمّل التكلفة؟ تلك هي الأسئلة الثقيلة التي لا تُكتب على الجوانب المعدنية، لكنها تُثقل صدور أهل الميت.
في بعض المناطق، ما تزال معاناة النقل قائمة، وما تزال كرامة اللحظة الأخيرة رهينة قلة الإمكانات أو تعقيد الإجراءات. وفي المدن أيضًا، قد يتحول الأمر إلى عبء مالي أو إداري يزيد ألم الفقد ألمًا. هنا، لا يعود الجدل حول العبارات سوى نقاشٍ على الهامش، فيما الجوهر ينتظر معالجة حقيقية: توفير عدد كافٍ من السيارات، وضمان جاهزيتها، وتكريس حق الأسر في الاستفادة منها دون تمييز أو تأخير.
لذلك نسأل: هل أدّت السيارة واجبها؟ هل صانت كرامة الميت ورفقت بأهله؟ إن تحقق ذلك، تصبح العبارات مسألة ثانوية يمكن تدبيرها بحكمة. أما إن ظل الخصاص قائمًا، فسيبقى كل نقاش حول الصياغات أقرب إلى ظلٍّ طويلٍ لجوهر لم يُمسّ بعد.
