عاشت ساحة باب المكينة التاريخية بفاس، مساء أمس الجمعة، لحظات من السمو الروحي والجمال الموسيقي، خلال السهرة المخصصة لـ”الأصوات النسائية” ضمن فعاليات الدورة التاسعة والعشرين لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، حيث أبدعت الفنانة والمرتلة اللبنانية غادة شبير في تقديم عرض استثنائي مزج بين التراتيل المارونية والألحان العربية الروحية.
واستطاعت شبير، بصوتها العذب وأدائها المتقن، أن تأخذ الجمهور في رحلة موسيقية عبر قرون من التراث الروحي المشرقي، مقدمة مختارات من التراتيل السريانية المارونية إلى جانب أعمال تنتمي إلى التقاليد السريانية الأرثوذكسية والكاثوليكية والكلدانية، باللغتين السريانية والعربية.
وتفاعل الحاضرون بشكل لافت مع فقرات العرض، الذي اتسم بأجواء من الخشوع والتأمل، حيث ساد الصمت في لحظات عديدة قبل أن تتعالى التصفيقات عقب كل مقطوعة، تقديراً للأداء الفني الرفيع وللرسالة الإنسانية التي حملتها الأعمال المقدمة.
وأكدت الفنانة اللبنانية في تصريح، أن مشاركتها في مهرجان فاس تمثل “مصدر فخر ومسؤولية كبيرة”، بالنظر إلى المكانة الدولية التي يحظى بها هذا الموعد الثقافي. كما أوضحت أنها حرصت خلال عرضها على التعريف ببعض الأنغام والمقامات المعتمدة في الكنيسة المارونية، من بينها البيات والحجاز والسيكاه، من خلال برنامج مكثف يبرز ثراء هذا التراث الموسيقي العريق.
وشكلت السهرة مناسبة لإبراز القواسم المشتركة بين التراثين الموسيقيين المسيحي والإسلامي، وهو ما انسجم مع رؤية الفنانة التي ترى أن “التراثين الإسلامي والمسيحي يزخران بأساليب وتقنيات صوتية رفيعة”، معتبرة أن هذه الكنوز الفنية ما تزال تشكل مرجعاً مهماً في تعليم الغناء وتطوير الأداء الموسيقي.
ولم يقتصر حضور غادة شبير على الجانب الفني فحسب، بل حمل أيضاً بعداً إنسانياً ورسالة سلام قادمة من لبنان، إذ أكدت أن الفن قادر على تجاوز الحدود وبناء جسور التواصل بين الشعوب. وانعكست هذه القناعة في تفاصيل العرض الذي خاطب الوجدان بلغة موسيقية عالمية تجاوزت الاختلافات الثقافية والدينية.
وبأدائها المميز في فضاء باب المكينة، نجحت غادة شبير في تحويل سهرة “الأصوات النسائية” إلى لحظة تأمل جماعي واحتفاء بالتراث الروحي، مؤكدة ما سبق أن صرحت به من أن الموسيقى الروحية “تبقى لغة عالمية قادرة على التقريب بين الناس وترسيخ قيم الحوار والمحبة والسلام”.





