يعيش قطاع الصيدلة في المغرب جدلا متصاعداً حول إمكانية فتح رأس المال أمام مستثمرين غير صيادلة، وهو موضوع أثار نقاشا واسعاً بين المهنيين والسلطات. غير أن هذه الإمكانية تخفي أزمة أعمق مرتبطة بتركيبة النموذج الاقتصادي للصيدليات التي تواجه اليوم ضغوطاً متزايدة.
ويعتمد النموذج الحالي بشكل كبير على هامش الربح الناتج عن بيع الأدوية، غير أن هذا الهامش تراجع منذ إصلاحات تسعير الأدوية، ما أدى إلى تآكل مردودية العديد من الصيدليات. في المقابل، عرف عدد الصيدليات ارتفاعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوز 14 ألف صيدلية، وهو ما أدى إلى تشتت رقم المعاملات وتزايد حدة المنافسة.
ويؤكد مهنيون أن هذا التوسع غير المتوازن جاء في سياق محدودية استهلاك الأدوية، الذي لا يتجاوز في المتوسط نحو تسع علب لكل فرد سنوياً، ما يجعل السوق غير قادر على استيعاب هذا العدد من الفاعلين. ورغم بعض التحسن خلال فترة جائحة كوفيد-19 ومع تعميم التغطية الصحية، إلا أن الدينامية العامة ظلت غير كافية لتعزيز مردودية القطاع.
ويشير متتبعون إلى أن هذا الوضع يهدد استقرار عدد من الصيدليات، خاصة في المناطق الأقل جاذبية، رغم الدور الأساسي الذي يلعبه هذا الشبك في ضمان الولوج إلى الدواء والخدمات الصحية الأولية، خصوصاً في المناطق القروية وشبه الحضرية.
وفي هذا السياق، تتعالى الدعوات إلى إصلاح شامل للنموذج الحالي، من خلال إدخال نظام تعويضات قائم على الأتعاب مقابل الخدمات الصيدلانية، وتعزيز أدوار الصيدلي في الوقاية والتتبع الصحي، إلى جانب تطوير التكوين المستمر ورقمنة الخدمات وتحسين الحكامة المهنية.
كما يُطرح داخل القطاع إشكال إعادة تعريف دور الصيدلي، من مجرد موزع للأدوية إلى فاعل صحي يساهم في الوقاية والتشخيص الأولي وتتبع الأمراض المزمنة، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها النظام الصحي.
ويحذر مهنيون من أن استمرار الوضع الحالي دون إصلاحات هيكلية قد يؤدي إلى مزيد من إضعاف شبكة الصيدليات، مع ما قد يترتب عن ذلك من تأثيرات مباشرة على قرب الخدمات الصحية من المواطنين، معتبرين أن مستقبل القطاع مرتبط بقدرة الفاعلين على الانتقال نحو نموذج أكثر استدامة ومتمحور حول المريض.






