من المقعد إلى الحزب.. تاريخ الترحال السياسي في المغرب
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، عادت حركة الانتقالات بين الأحزاب إلى قلب المشهد السياسي المغربي، بعد تسجيل 31 حالة مرتبطة بالاستقالات وتغيير الانتماءات داخل مجلس النواب. رقم يعيد تسليط الضوء على ظاهرة الترحال السياسي، التي ظلت على مدى عقود واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش بشأن علاقة المنتخب بالحزب والناخب، وحدود الولاء السياسي في مواسم إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية.
ولا يتعلق الترحال السياسي بظاهرة جديدة في المغرب، بل يرافق الحياة الحزبية منذ عقود، واكتسب تسميات متعددة، من بينها “الترحال الحزبي” و”الترحال البرلماني”، في إشارة إلى انتقال منتخبين وسياسيين من حزب إلى آخر، أو تغيير مواقعهم داخل المشهد السياسي، أحيانا خلال الولاية الانتدابية نفسها.
تاريخيا، لم تكن الدساتير المغربية الأولى تتضمن مقتضيات صريحة تمنع المنتخبين من تغيير انتمائهم السياسي. فمن دستور 1962 إلى دستور 1996، ظلت حرية الانخراط في الأحزاب والتنظيمات السياسية قائمة، من دون ترتيب جزاء دستوري مباشر على انتقال السياسي من حزب إلى آخر.
وسمح هذا الوضع القانوني باستمرار الظاهرة، خصوصا في سياق اتسم بتعدد الأحزاب وتغير التحالفات وصعود أعيان محليين ارتبط حضورهم السياسي، في بعض الحالات، بشبكات النفوذ الانتخابي أكثر من ارتباطه بالمرجعيات الإيديولوجية للأحزاب.
ومع تطور الحياة السياسية، تحول الترحال تدريجيا إلى أحد أبرز مظاهر هشاشة الانتماء الحزبي، إذ كان انتقال بعض المنتخبين يثير جدلا حول طبيعة العلاقة بين المنتخب والحزب الذي ترشح باسمه، وحول ما إذا كان المقعد الانتخابي ملكا شخصيا للمنتخب أم ثمرة لثقة الناخبين في الحزب وبرنامجه ورمزه السياسي.
وشكل دستور 2011 منعطفا حاسما في التعامل مع الظاهرة، بعدما نص الفصل 61 على تجريد عضو مجلسي البرلمان من صفته إذا تخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها.
وجاء هذا التحول في سياق أوسع هدفه تخليق الحياة العامة وتعزيز مصداقية المؤسسات التمثيلية، حيث انتقل المغرب من مرحلة لم يكن فيها الترحال البرلماني محظورا دستوريا إلى مرحلة ترتب فيها عن التخلي الطوعي عن الانتماء السياسي إمكانية فقدان المقعد البرلماني نفسه.
لكن منع الترحال لم ينه الجدل، بل فتح نقاشا قانونيا جديدا حول حدود حرية الانتماء السياسي، والتمييز بين التخلي الإرادي عن الحزب وبين حالات الطرد أو الفصل منه.
ورغم تشديد الإطار القانوني، لم يختف الترحال من المشهد السياسي المغربي، بل تغيرت أشكاله. فالانتقالات أصبحت تتم قبل الانتخابات، أو بعد انتهاء الولاية، أو عبر الاستقالة من الحزب وإعادة التموضع السياسي قبل الترشح تحت لون جديد.
وترتبط هذه الظاهرة بعدة عوامل، من بينها ضعف التأطير الحزبي، وغياب التمايز الإيديولوجي الحاد بين عدد من التنظيمات، فضلا عن مركزية الأعيان والاعتبارات المحلية في العملية الانتخابية. كما أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية غالبا ما يطلق ما يشبه “الميركاتو السياسي”، حيث تتحرك الأحزاب لاستقطاب أسماء تمتلك وزنا انتخابيا أو حضورا محليا.
ويكشف تاريخ الترحال السياسي في المغرب عن مفارقة واضحة: فكلما تطور الإطار القانوني المنظم للانتماء الحزبي، ظهرت في المقابل أشكال جديدة لإعادة التموضع السياسي.
واليوم، ومع تسجيل 31 حالة “ترحال سياسي” قبيل اقتراع 23 شتنبر، يبدو أن الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي معزول، بل أصبحت مؤشرا متكررا على طبيعة العلاقة المعقدة بين المنتخب والحزب والناخب. وهي علاقة تكشف، مع كل موسم انتخابي، أن معركة تجديد النخب السياسية في المغرب لا تبدأ فقط يوم الاقتراع، بل تنطلق قبل ذلك بكثير داخل الأحزاب نفسها.





