ارتباك أوروبي في تحديد أول أيام رمضان

تحديد أول أيام شهر رمضان في أوروبا ليس تفصيلاً فقهياً عابراً، بل أصبح عنواناً سنوياً لإشكال أعمق يمسّ بنية المرجعية الدينية للمسلمين في القارة. ما يحدث هذه السنة في فرنسا، حيث اختلف كل من مسجد باريس الكبير والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية حول موعد بداية الصيام، ليس سوى صورة مكبّرة لواقع يتكرر في أكثر من بلد أوروبي.

ففي ألمانيا وبلجيكا وهولندا والمملكة المتحدة، برز المشهد ذاته: مساجد تصوم يومًا، وأخرى تنتظر إلى اليوم التالي. أسر منقسمة بين قرارين، وجاليات تتساءل : لماذا نعجز عن توحيد بداية شهر يفترض أن يكون عنوانًا للوحدة؟

جوهر الخلاف معروف: الرؤية البصرية للهلال أم الحسابات الفلكية الدقيقة؟ هيئات مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث تميل إلى اعتماد الحسابات العلمية المسبقة لتفادي الارتباك، بينما تتمسك جهات أخرى بشرط ثبوت الرؤية الفعلية، استنادًا إلى القراءة التقليدية للنصوص الشرعية. وبين هذا وذاك، يظل المسلم الأوروبي هو من يدفع ثمن غياب التنسيق.

يزيد المشهد تعقيدًا ارتباطُ بعض المساجد بإعلانات صادرة عن المملكة العربية السعودية، بحكم رمزيتها الدينية واحتضانها للحرمين الشريفين، في مقابل توجهات أخرى تفضّل استقلال القرار الأوروبي. والنتيجة: تعدد مراكز القرار، وتكرار الجدل، وتآكل الثقة في قدرة المؤسسات الإسلامية على إدارة شأن ديني جامع.

إن استمرار هذا التباين لم يعد مسألة اختلاف مشروع في الاجتهاد، بل بات يعكس خللاً مؤسساتياً واضحاً. فأوروبا التي استطاعت توحيد معايير دقيقة في مجالات الاقتصاد والقانون والبحث العلمي، ما تزال عاجزة عن بلورة آلية موحدة لإعلان دخول شهر قمري. ليس المطلوب إلغاء الاجتهاد، بل تنظيمه ضمن إطار مؤسسي جامع يحفظ التعدد ويمنع الفوضى.

رمضان في أوروبا اليوم اختبار نضج، اختبار لقدرة المؤسسات على التنسيق، ولإرادة الجاليات في تغليب الوحدة على الانقسام، ولشجاعة الفقه في مواكبة العصر دون التفريط في الأصول. أما الاستمرار في الدوران داخل الجدل نفسه كل عام، فليس سوى تكريس لمشهد لا يليق بشعيرة يفترض أن توحد القلوب قبل المواقيت.

Exit mobile version