الأخبارمال و أعمال

برج محمد السادس بالرباط.. صرح يلامس السماء ويحمل هوية الوطن

في مشهد يوحي بأن الأرض تتطلع نحو السماء، يقف برج محمد السادس على ضفاف نهر أبي رقراق شاهداً على لحظة فارقة في تاريخ المغرب المعاصر. بعد نحو ثماني سنوات من البناء المتواصل، شهدت الرباط وسلا افتتاح صرح معماري يبلغ علوه 250 متراً، ليحتل مكانة الأعلى في المغرب، ويحجز موقعاً متقدماً بين أشهر الأبراج الأفريقية وأكثرها طموحاً.

لم يكن هذا البرج وليد الصدفة، بل إنه جاء تجسيداً لحلم طويل راود عثمان بنجلون، رئيس مجموعة O Capital Group، الذي أراد للمشروع أن يحمل دلالة بعيدة تتجاوز الإنجاز العمراني المجرد. ومن هنا وُلدت فكرة التصميم الذي عهد به إلى المهندس الإسباني رافائيل دي لاهوز بمعاونة المهندس المغربي حكيم بنجلون، فجاء البرج في هيئة صاروخ منتصب على منصة إطلاق، استعارةً بصرية صريحة عن مغرب يستعد للانطلاق نحو مستقبل مفتوح على الاحتمالات.

لكن ما يميز هذا البرج عن غيره من صروح العمارة الحديثة ليس علوه وحده، بل ذلك التوازن الدقيق الذي تحقق بين الحداثة التقنية والهوية المغربية الراسخة. فمن خلال الإشراف المعماري للفرنسي بيير-إيف روشون، حُشد نحو 314 فناناً ومبدعاً مغربياً ودولياً لتزيين الفضاءات الداخلية بأكثر من 7000 عمل فني تمتد بين الزخارف الجبسية المنحوتة والجداريات الكبرى والمنحوتات الضخمة، لتتحول أروقة البرج إلى متحف حي يجمع الأصالة والمعاصرة في حوار متجدد.

وعلى الصعيد التقني، يُجسّد البرج نقلة نوعية في ممارسة البناء بالمغرب. فالواجهة الجنوبية تكسوها ألواح فوتوفولطائية تمتد على مساحة 3900 متر مربع، تحول ضوء الشمس إلى طاقة نظيفة تغذي احتياجات المبنى، في حين منحت شهادتا LEED الذهبية وHQE للجودة البيئية هذا الإنجاز اعترافاً دولياً بكفاءته البيئية. وفي قمته، يستضيف الطابق الواحد والخمسون معرضاً دائماً يحتفي بإسهامات العلماء العرب في علم الفلك إبان العصر الذهبي للحضارة العربية الأندلسية، وكأن البرج يمد خيطاً بين ماضٍ مجيد ومستقبل واعد.

اليوم، يطل برج محمد السادس على المحيط الأطلسي، ويُرى من مسافة تفوق ستين كيلومتراً، ويزين الأوراق النقدية الجديدة من فئة مئتي درهم. لكنه قبل كل ذلك، يحمل رسالة يريد المغرب إيصالها بوضوح إلى أفريقيا والعالم: أن ثمة بلداً يبني بعزم، ويحلم بجرأة، ويُترجم طموحه حجارةً وزجاجاً وضوءاً.

زر الذهاب إلى الأعلى