في موسم رمضاني يزدحم بالأعمال الدرامية، يبرز مسلسل “عشّ الطمع” كعمل يغامر بالاقتراب من منطقة حساسة ومعتمة في الواقع الاجتماعي المغربي، حيث يغوص العمل في عالم الاتجار بالأطفال حديثي الولادة، لا بوصفه حدثًا معزولًا، بل كمنظومة معقّدة تتشابك فيها المصالح والضغوط والصمت.
مستوحى من ملفات قضائية حقيقية كشفتها الصحافة، تتقدّم القصة عبر شخصية حنان، أم يُنتزع طفلها منها لحظة الولادة. يتحوّل فقدانها إلى هاجس يقودها لاختراق الشبكة المسؤولة عن هذه الجريمة، متقمصة هوية جديدة، كقابلة تنضم إلى عصابة نسائية تنشط في حي شعبي. غير أن رحلتها لا تكشف مجرد أفراد متورطين، بل بنية تنظيمية محكمة، تستمد قوتها من قدرتها على الاندماج في النسيج الاجتماعي.
من أبرز رهانات المسلسل اختياره تقديم شبكة إجرامية نسائية بالكامل، تتزعمها شخصية “شامة” الصارمة والمنظمة، وتحيط بها نساء يشكّلن واجهة عادية لحي نابض بالحياة. هذا الخيار السردي يمنح العمل خصوصيته، إذ يقدّم العنف في صورته غير الصاخبة: عنف الضغوط الاجتماعية، والتلاعب، واستغلال الهشاشة. الحي ذاته يتحول إلى فضاء درامي حي، تتشكّل في أزقته التحالفات وتنكشف فيه الخيانات، وكأنه شخصية قائمة بذاتها.
النص الذي وقّعه الثلاثي بسمة الهجري، إيمان عزمي، وجواد لحلو، يوازن بين التحقيق الدرامي والبعد الإنساني، معتمدًا مسارًا مزدوجًا يجمع بين البحث الشخصي لأم مكلومة والتفكيك التدريجي لشبكة إجرامية منظمة. تتقدّم الأحداث بإيقاع محسوب، حيث يكتشف المشاهد خيوط الحقيقة تدريجيًا، متقاسمًا مع البطلة شكوكها وتعثراتها.
ويعزّز هذا البناء حضور طاقم تمثيلي وازن يضم مريم الزعيمي، والسعدية لاديب، وأمين الناجي، ومونيا لمكمل، وفاتي الجوهري، وبثينة اليعقوبي، وسعد معافق، والسعدية أزكون وأيوب أبونصر، تحت إدارة المخرج أيوب الهنود. الشخصيات مرسومة بعمق، بعيدة عن التنميط، تتحرك جميعها داخل منطقة رمادية تتداخل فيها الدوافع الإنسانية بالمصالح والخيارات الصعبة.
من إنتاج شركة “عليان”، يقدّم “عشّ الطمع” دراما طموحة تستند إلى الواقع دون أن تسقط في خطاب مباشر، وتفتح نقاشًا حول التفاوت الاجتماعي، وهشاشة بعض الفئات، ومساحات الصمت التي تسمح بتمدّد الجريمة.
