الأخبارثقافةغير مصنف

منتدى فاس: “المعلّم” صانع الذاكرة وحارس الحرف التقليدية في زمن التحولات

شكل منتدى فاس، الذي احتضنه قصر المؤتمرات والصناعة التقليدية، أمس السبت، أحد أبرز المحطات الفكرية ضمن فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، حيث خُصصت أشغاله لمناقشة موضوع “فاس والمعلمون.. حراس الحرفة والتراث”، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمفكرين والدبلوماسيين والفاعلين الثقافيين.

أكد المنتدى على أهمية الحفاظ على الموروث الحرفي باعتباره أحد المكونات الأساسية للهوية الثقافية المغربية، وضرورة التفكير في سبل ضمان استمراريته في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

وشكلت شخصية “المعلّم” محور النقاشات، حيث اعتبر المتدخلون أن دوره يتجاوز مجرد نقل المهارات التقنية، ليصبح حلقة أساسية في سلسلة متواصلة من التكوين والتلقين القائمين على الممارسة المباشرة والتفاعل الإنساني بين الأستاذ والمتعلم. وأبرزوا أن الحرف التقليدية لا تُورَّث فقط عبر المعرفة النظرية، بل من خلال تراكم الخبرات وإعادة ابتكار الممارسة الحرفية جيلاً بعد جيل.

وتناولت المداخلات ثلاثة محاور رئيسية تمثلت في العلاقة بين الإبداع الفني والإنتاج الحرفي، وآليات نقل المهن التقليدية وضمان استمراريتها، فضلاً عن سبل حماية المنتوجات الحرفية وتثمينها اقتصادياً من خلال أنظمة العلامات والشهادات والتأطير القانوني.

وفي هذا السياق، استحضر الكاتب المغربي الطاهر بن جلون ذكريات طفولته بأحياء المخفية والديوان والعطارين في المدينة العتيقة لفاس، متوقفاً عند قدرة الحرفيين، خاصة صناع الفخار، على التكيف مع التحولات التي فرضتها المواد الصناعية الحديثة، وعلى رأسها البلاستيك، والتي أثرت على عدد من المهن التقليدية دون أن تتمكن من القضاء عليها.

من جانبه، شدد الكاتب فؤاد العروي على البعد الفني والإبداعي للحرف التقليدية، معتبراً أن كل قطعة ينجزها الحرفي تحمل بصمة خاصة تجعلها عملاً ثقافياً متفرداً، يتجاوز مفهوم الإنتاج المادي إلى التعبير عن هوية وتاريخ جماعيين.

كما سلط المنتدى الضوء على التحديات التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها المنافسة المتزايدة للمنتجات المقلدة منخفضة التكلفة، وتراجع إقبال الشباب على بعض المهن التقليدية، إضافة إلى الصعوبات المرتبطة بنقل الخبرات بين الأجيال. وحذر المشاركون من اتساع الفجوة بين متطلبات السوق الحديثة والقيم الأصيلة التي قامت عليها هذه الحرف.

ودعا المتدخلون إلى اعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين صون التراث وتشجيع الابتكار وتعزيز التنمية الاقتصادية، عبر تطوير منظومة التكوين المهني في مجال الصناعة التقليدية، وحماية الملكية الفكرية للمنتجات الحرفية، وإرساء آليات فعالة للتصديق على الجودة وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للحرفيين.

وأكد المشاركون في ختام المنتدى أن الصناعة التقليدية تظل أحد الركائز الأساسية للهوية الثقافية المغربية، وأن “المعلّم” يواصل أداء دور محوري في الحفاظ على التوازن بين الوفاء للموروث التاريخي والانفتاح على متطلبات العصر.

زر الذهاب إلى الأعلى