حين رفع المنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعة كأس إفريقيا للمرة الرابعة على التوالي، مساء أمس الأربعاء 21 أكتوبر 2026، كان التتويج امتداداً لمسار بدأ قبل سنوات طويلة من الألقاب. وخلف الفوز على أنغولا بنتيجة 5 أهداف مقابل هدفين، برز مجدداً اسم هشام الدكيك، المدرب الذي ارتبط به تحول الفوتسال المغربي من البحث عن مكان في المنافسات الدولية إلى مقارعة أبرز منتخبات العالم.
غير أن حكاية الدكيك لا تبدأ من منصة التتويج، بل من القنيطرة، حيث ولد في 6 ماي 1972. ففي هذه المدينة، التي احتضنت تجارب مبكرة لكرة القدم داخل القاعة بالمغرب، تشكلت علاقته باللعبة. وبالتوازي مع مساره الرياضي، تابع دراسته وحصل على الإجازة في الاقتصاد، قبل أن يصبح التدريب مشروعه المهني الأبرز.
وخلال سنة 1990، خاض تجربة الفوتسال مع أجاكس القنيطرة، أحد الأندية التي ساهمت في ترسيخ هذه الرياضة محلياً. ومن موقعه كلاعب، تعرف إلى خصوصيات الملعب الصغير، حيث تضيق المساحات وتتسارع القرارات، ويصبح الانسجام بين اللاعبين أساساً لبناء الهجمات وحماية المرمى.
ولم تقتصر تجربته على المنافسات المحلية، إذ حمل قميص المنتخب الوطني بين سنتي 2000 و2007. وبعد ذلك، انتقل إلى التدريب والتأطير، واشتغل داخل النادي القنيطري مع فئات عمرية مختلفة. كما راكم شهادات تدريبية وتجارب في بطولات شاركت فيها أندية أوروبية، قبل توليه قيادة المنتخب سنة 2010. وحسب تصريح سابق له لوكالة المغرب العربي للأنباء، كان محمد الجفال، عضو اللجنة التقنية للفوتسال بالجامعة آنذاك، من الذين آمنوا بقدرته على تحمل المسؤولية.
لكن الوصول إلى المنتخب لم يكن مرادفاً لتوفر الظروف المثالية. فقد استعاد الدكيك، في تصريحات سابقة، صعوبات البدايات وانتظاره لساعات بمقر الجامعة من أجل برمجة تجمع تدريبي. كما تحدث عن مرحلة كانت فيها الإمكانات محدودة، واضطر خلالها إلى تحمل بعض مصاريف التنقل والتجهيز من ماله الخاص.
وفي أثناء بحثه عن اللاعبين ومتابعتهم، تعرض لحادثة سير خطيرة قرب مولاي بوسلهام، وهو متوجه إلى تطوان. وأبعدته الإصابة عن نشاطه لأسابيع، غير أنها لم تنه ارتباطه بالمشروع الذي بدأه مع المنتخب.
أما بناء الفريق، فلم يقم على جمع أسماء بارزة ووضعها في تشكيلة واحدة. فقد اشتغل الدكيك على إيجاد قاعدة فنية مشتركة، تسمح للاعبين القادمين من أندية مختلفة بفهم التعليمات نفسها والتفاعل داخل الملعب بانسجام.
وكانت المشاركة الأولى للمغرب في كأس العالم بتايلاند سنة 2012 محطة حاسمة في هذا الاتجاه. فرغم أهمية التأهل، كشفت المنافسة حجم المسافة التي تفصل المنتخب عن المستوى الدولي. ومن ثم، بدأ الدكيك مراجعة طريقة العمل، بحثاً عن وسائل ترفع جودة اللاعبين قبل وصولهم إلى المنتخب.
ففي حوار نشر سنة 2016، أوضح أنه استثمر صفته مؤطراً لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم في تكوين المدربين، والعمل معهم على إرساء ثقافة لعب تناسب مؤهلات اللاعب المغربي. وبعد ذلك، جاب مناطق مختلفة من المملكة لاكتشاف العناصر القادرة على الاندماج في المشروع. وحين جمعها، وجد أن اشتراكها في المرجعية الفنية يسهل بناء فريق متجانس.
وهكذا، ارتبط انتقاء اللاعبين بالعمل داخل الأندية ومع أطرها، بدل الاقتصار على التحضير القصير قبل البطولات. كما أتاح تكرار التجمعات للطاقم التقني تطوير التفاهم بين العناصر، وتصحيح الأخطاء، وتحويل المهارات الفردية إلى أداء جماعي.
ومع تعزيز الدعم الجامعي، توفرت شروط أفضل للاستعداد. وقد أشار الدكيك إلى أن التحضير لكأس إفريقيا 2016 امتد سنة ونصف السنة، مع توفير وسائل التدريب ومساندة أطر تقنية إضافية. لذلك، جاء اللقب الأول في جنوب إفريقيا نتيجة مسار متدرج، بعد الفوز على مصر في النهائي بنتيجة 3 أهداف مقابل هدفين.
ثم تواصلت النتائج، فاحتفظ المنتخب باللقب القاري في العيون سنة 2020، قبل التتويج مجدداً سنة 2024، ثم إضافة الكأس الرابعة سنة 2026. وبذلك، أصبح الاستمرار في الفوز اختباراً لقدرة المجموعة على التطور، بعدما صار المنافسون أكثر معرفة بأسلوبها.
وعلى المستوى العالمي، تجاوز المنتخب مرحلة الاكتفاء بالمشاركة. فبعد الخروج من دور المجموعات في مونديالي 2012 و2016، بلغ ربع نهائي كأس العالم بليتوانيا سنة 2021، قبل تكرار الإنجاز في أوزبكستان سنة 2024. وفي المناسبتين، انتهى المشوار أمام البرازيل، لكن الوصول المتتالي إلى هذا الدور أكد تقدم المشروع المغربي.
ورغم ارتباط هذه الإنجازات باسمه، سبق للدكيك أن ربط النجاح باستقرار القيادة التقنية، ودعم الجامعة، والعمل المبذول لتطوير الفوتسال محلياً. وتساعد هذه الاستمرارية على فهم كيفية احتفاظ المنتخب بهويته، مع تراكم الخبرة لدى اللاعبين والطاقم.
وبعد التتويج الرابع، عاد المدرب إلى الفكرة نفسها: ضرورة مواصلة العمل وتجديد الأفكار. فقد أوضح أن معرفة الخصوم بالنهج المغربي تفرض البحث باستمرار عن حلول تكتيكية جديدة، وأن الحفاظ على التفوق الإفريقي يظل خطوة ضرورية للمنافسة عالمياً.
من لاعب في القنيطرة إلى مدرب للمنتخب، بنى هشام الدكيك مساره عبر التعلم والتأطير والتنقيب عن المواهب. أما الفريق الذي جمعه، فتشكل تدريجياً حول ثقافة لعب مشتركة، واستفاد من الاستقرار وتحسن ظروف الإعداد. وهي عوامل جعلت الألقاب ثمرة مشروع طويل، يتجدد تحديه مع كل بطولة.





