في مثل هذا اليوم، يخلّد المغاربة ذكرى مفصلية في تاريخ نضالهم الوطني، تتمثل في مرور 81 سنة على تقديم وثيقة تاريخية إلى سلطات الحماية الفرنسية، شكّلت أول إعلان صريح عن الانتقال من منطق المطالبة بالإصلاح إلى مطلب الاستقلال الكامل وإنهاء العمل بمعاهدة الحماية الموقعة سنة 1912 بين السلطان مولاي عبد الحفيظ وفرنسا.
هذه الوثيقة، التي وقّعها 67 وطنياً من بينهم امرأة واحدة هي مليكة الفاسي، لم تُوجَّه حصراً إلى الإدارة الاستعمارية، بل حرص قادة الحركة الوطنية على تسليم نسخة منها إلى السلطان محمد بن يوسف، في تأكيد واضح على مركزية المؤسسة الملكية في مشروع التحرر الوطني. وقد حملت الوثيقة، إلى جانب مطلب الاستقلال، دعوة صريحة إلى إرساء نظام حكم “شوري” يقوم على المشاركة السياسية وصيانة حقوق مختلف فئات المجتمع.
وجاء في نصها أن حزب الاستقلال يلتمس من السلطان رعاية مسار الإصلاح الداخلي، وإقرار نظام سياسي شبيه بما هو معمول به في بلدان المشرق العربي الإسلامي، يضمن حقوق الشعب ويحدد واجبات الجميع في إطار من العدالة والتوازن. ولهذا السبب، رسخت هذه المناسبة في الذاكرة الوطنية تحت مسمى “ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال”، باعتبارها أول تعبير رسمي وجماعي عن إرادة القطيعة مع نظام الحماية، بعد مرحلة طويلة انحصرت فيها المطالب في حدود الإصلاحات الجزئية.
الوثيقة طالبت بوضوح بإلغاء معاهدة الحماية، وبتمكين المغرب من الانضمام إلى عصبة الأمم، التي ستتحول لاحقاً إلى منظمة الأمم المتحدة. وقد ازدادت أهمية هذه المبادرة وحساسيتها السياسية لكونها جاءت بعد سنة واحدة فقط من مؤتمر أنفا، الذي جمع السلطان محمد بن يوسف بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، في سياق دولي كان يعرف تحولات كبرى مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية.
غير أن السلطات الفرنسية لم تتعامل مع هذا التحول في الخطاب الوطني بأي روح تفاوضية، بل سارعت إلى اعتقال عدد من الوطنيين الذين تولوا التحضير اللوجستي لتقديم الوثيقة، وعلى رأسهم الهاشمي الفيلالي وأحمد مكوار وعبد العزيز بن إدريس العمراوي، بالنظر إلى الدور الذي لعبوه في التعبئة والتنظيم، سواء داخل الأوساط الطلابية أو المهنية.
وسرعان ما توسعت حملة القمع لتشمل عدداً من الزعماء الموقعين على الوثيقة، ما فجّر موجة غضب عارمة في صفوف الشعب. واندلعت مظاهرات قوية، خاصة في مدينة الرباط، عقب انتشار خبر اعتقال القيادات الوطنية وإيداعها سجن العلو، حيث خرج المواطنون إلى الشوارع مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين ورافعين لأول مرة بشكل جماعي شعار الاستقلال.
ومن بين المشاركين في تلك الاحتجاجات، كان الأمير مولاي الحسن، ولي العهد آنذاك، الذي كان يتابع دراسته بالمعهد المولوي. وقد غلبه حماسه الوطني، فقفز من فوق سور المعهد للالتحاق بالمتظاهرين، في واقعة استعادها لاحقاً الملك الراحل الحسن الثاني في كتابه “ذاكرة ملك”، وعبّر عنها بكثير من الاعتزاز.
وتطورت الأحداث بسرعة إلى مواجهة مفتوحة، بعدما فرضت القوات الفرنسية حصاراً على العاصمة وأطلقت النار على المحتجين، بذريعة مقتل أحد الأوروبيين. وأسفر هذا القمع الدموي عن سقوط عدد من الضحايا، قبل أن تمتد شرارته إلى مدن مغربية أخرى، من بينها مراكش ومكناس وفاس، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الصراع الوطني، مهّدت لاحقاً للطريق نحو الاستقلال.
