بعد مرور نحو خمسة عقود على تنظيم المغرب لـ”المسيرة الخضراء” سنة 1975، عادت هذه المحطة المفصلية في تاريخ المملكة إلى الواجهة من خلال وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية، تكشف جانبًا من النقاشات التي دارت داخل الإدارة الأمريكية آنذاك، وعلى رأسها وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك هينري كيسنجر.
تُظهر المراسلات الدبلوماسية أن كيسنجر عبّر عن قلق بالغ من احتمال انزلاق الوضع إلى صدام مسلح، خاصة في ظل تقارير استخباراتية تحدثت عن تعبئة عسكرية في المنطقة. وتشير الوثائق إلى أن الإدارة الأمريكية نقلت رسائل تحذير واضحة إلى الرباط، داعية إلى ضبط النفس وتفادي أي خطوة قد تفضي إلى حرب إقليمية.
كما تكشف الوثائق أن المغرب تقدم، في تلك المرحلة، بطلبات دعم عسكري من الولايات المتحدة، وهو ما زاد من حذر واشنطن وأثار نقاشًا داخليًا حول طبيعة التطورات الجارية وأهدافها.
ورغم هذه المخاوف، لم تُقدم الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءات مباشرة لعرقلة المسيرة. ويبدو من خلال الوثائق أن الإدارة الأمريكية اختارت نهجًا براغماتيًا قوامه احتواء التوتر بدل الدخول في مواجهة سياسية مع الرباط، التي كانت تُعد حليفًا استراتيجيًا مهمًا في المنطقة.
فواشنطن، المنشغلة آنذاك بتوازنات الحرب الباردة، لم تكن راغبة في خسارة شريك إقليمي مستقر، ولا في فتح جبهة توتر جديدة في شمال إفريقيا قد تستفيد منها قوى دولية منافسة.
عمليًا، انتهت المسيرة الخضراء بتوقيع اتفاق مدريد في نونبر 1975، الذي مهد لانسحاب إسبانيا من الصحراء. ورغم أن المخاوف الأمريكية من اندلاع حرب شاملة لم تتحقق بالشكل الذي كان يُخشى منه، فإن النزاع حول الصحراء استمر بأشكال مختلفة في السنوات اللاحقة.
تكشف وثائق كيسنجر، إذن، عن فجوة بين القراءة الأمريكية الحذرة للأحداث وبين الرهان المغربي الذي اعتمد على تعبئة شعبية سلمية لتحقيق هدف استراتيجي. كما تُبرز حجم الحساسية التي كانت تحيط بالملف داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.
إعادة فتح هذا الأرشيف اليوم لا تقتصر على استعادة وقائع تاريخية، بل تسهم في فهم أعمق لطبيعة العلاقات المغربية–الأمريكية، وكيف تداخلت الحسابات الأمنية والاستراتيجية في لحظة مفصلية. كما تذكّر بأن المسيرة الخضراء لم تكن حدثًا وطنيًا فحسب، بل كانت أيضًا محطة راقبتها العواصم الكبرى بقلق وترقب.
تقدم هذه الوثائق صورة عن إدارة أمريكية سعت إلى منع الانفجار الإقليمي، دون التضحية بتحالفها مع المغرب، في وقت كانت فيه موازين القوى الدولية تفرض حسابات دقيقة تتجاوز حدود المنطقة.





