الأخبارالمغرب

20 ألف توقيع تضع “الساعة الإضافية” في قفص المساءلة الدستورية

عاد الجدل حول التوقيت الرسمي بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي، لكن هذه المرة من بوابة آليات الديمقراطية التشاركية، بعد أن تجاوزت عريضتان إلكترونيتان عتبة عشرات الآلاف من التوقيعات، في مؤشر واضح على اتساع دائرة الرفض المجتمعي لاعتماد التوقيت الصيفي الدائم (GMT+1).

العريضة الأولى، المعنونة بـ”نريد العودة إلى التوقيت الطبيعي”، تجاوزت 20 ألف توقيع، ما يمنحها، من حيث الشكل، أهلية الإحالة وفق مقتضيات الفصل 15 من دستور 2011، الذي يكرّس حق المواطنات والمواطنين في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية. كما تستند إلى القانون التنظيمي رقم 44.14، الذي يحدد شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق.

وبهذا المعنى، لم تعد هذه المبادرات مجرد تعبيرات احتجاجية رقمية، بل تحوّلت إلى أدوات مؤطرة قانونياً، تضع المؤسسات أمام اختبار حقيقي لمدى تفاعلها مع روح الدستور. فبلوغ النصاب القانوني يفرض، مبدئياً، عرض العريضة على رئيس الحكومة أو البرلمان، مع تفعيل مسطرة إحداث لجنة العرائض للنظر في مدى استيفائها للشروط الشكلية والموضوعية.

العريضة الثانية، التي اقتربت من 50 ألف توقيع عبر منصة “Change.org”، تؤكد أن القضية لم تعد ظرفية أو مرتبطة بموجة موسمية، بل تحوّلت إلى مطلب مجتمعي مستمر. ويعكس هذا التراكم انتقالاً تدريجياً من التعبير العفوي إلى الفعل المدني المنظم، حيث يسعى المواطنون إلى التأثير في القرار العمومي عبر القنوات القانونية المتاحة.

هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً، هل ستتعامل المؤسسات مع هذه العرائض كآلية حقيقية للتشاور، أم ستظل مجرد إجراء شكلي محدود الأثر؟ يرتكز الرافضون للإبقاء على الساعة الإضافية على مجموعة من الحجج، في مقدمتها الآثار الصحية المرتبطة باضطراب الساعة البيولوجية، خاصة لدى الأطفال والتلاميذ، إضافة إلى انعكاسات اجتماعية تتعلق بأنماط العيش والتنقل، خصوصاً في فصل الشتاء.

في المقابل، تبرر الحكومة هذا الاختيار باعتبارات اقتصادية، أبرزها تقليص استهلاك الطاقة وتحسين التوافق مع الشركاء الاقتصاديين الدوليين. غير أن المنتقدين يشيرون إلى غياب دراسات محيّنة وشفافة تثبت بشكل قاطع حجم هذه المكاسب، ما يضعف الأساس التبريري لهذا القرار.

إعادة طرح هذا الملف تكشف، في العمق، عن فجوة ثقة بين صانع القرار والرأي العام. فاستمرار الجدل لسنوات دون حسم نهائي أو تقييم دوري معلن، يعكس خللاً في منهجية تدبير السياسات العمومية، سواء من حيث التواصل أو من حيث إشراك المواطنين في اتخاذ القرار.

كما أن غياب تقارير رسمية مفصلة حول الأثر الحقيقي للساعة الإضافية يفتح المجال أمام التأويلات، ويغذي الإحساس بأن القرار يُفرض أكثر مما يُناقش.

تشكل هذه العرائض اختباراً عملياً لمدى تفعيل الديمقراطية التشاركية في المغرب. فالقضية لم تعد فقط مرتبطة بالتوقيت، بل بقدرة المؤسسات على الإصغاء والتفاعل، وبمدى تحويل النصوص الدستورية إلى ممارسات فعلية.

إن التعامل الجدي مع هذه المبادرات، سواء عبر دراستها أو فتح نقاش عمومي واسع حولها، من شأنه أن يعزز الثقة في المؤسسات، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها المواطن شريكاً فعلياً في صياغة القرار، لا مجرد متلقٍ له.

وفي انتظار ذلك، سيظل ملف الساعة الإضافية عنواناً لنقاش يتجاوز الزمن… ليصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى