الأخبارالمغربملفات خاصة

تعثر المدرسة العمومية يكلف الأسر فاتورة التعليم البديل

بين ضعف التعلمات والخصاص في الموارد والتغيب والاضطرابات داخل الأقسام، تواجه المدرسة المغربية تحديات متراكمة تعيد طرح سؤال جودة التعليم العمومي وقدرته على استعادة ثقة الأسر، في وقت يجد فيه جزء منها نفسه أمام بديل مكلف يتمثل في التعليم الخصوصي، حيث لا تتوقف الفاتورة عند واجبات التمدرس الشهرية، بل تمتد إلى التسجيل والنقل والتأمين والإطعام والكتب والأنشطة، لتتحول كلفة تعليم الأبناء إلى واحد من أثقل الالتزامات على ميزانية الأسرة.

وأعادت نتائج “PISA 2025″، الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، هذه الإشكالية إلى الواجهة، بعدما كشفت عن استمرار صعوبات كبيرة لدى التلاميذ المغاربة في المهارات الأساسية. فقد بقي 87.2% من المشاركين دون المستوى الأساسي في القراءة، و83.9% في الرياضيات، و77.2% في العلوم، بينما بلغ متوسط المغرب 321 نقطة في القراءة و355 نقطة في الرياضيات و358 نقطة في العلوم، وهي مستويات أدنى بكثير من متوسط دول المنظمة.

وتضع هذه المؤشرات جودة التعلمات في قلب إصلاح المدرسة، خصوصا أن المشكلة لا ترتبط فقط بولوج الطفل إلى المؤسسة التعليمية، وإنما بقدرته على اكتساب مهارات القراءة والفهم والحساب والعلوم التي يحتاج إليها لمواصلة مساره الدراسي.

وتراهن وزارة التربية الوطنية، ضمن أوراش الإصلاح، على التدخل منذ السنوات الأولى، من خلال توسيع التعليم الأولي ومعالجة التعثرات في المراحل المبكرة، إلى جانب إصلاح الممارسات داخل الفصل وتطوير نموذج “مدارس الريادة”، في محاولة لتحسين مستوى التعلمات الأساسية.

لكن الأسرة لا تملك دائما رفاهية انتظار سنوات حتى تظهر نتائج الإصلاح على المسار الدراسي لطفلها. وبين الخوف من التعثر والبحث عن متابعة أكبر وظروف تمدرس تعتبرها أفضل، يتجه جزء من الأسر إلى التعليم الخصوصي، ليجد نفسه أمام معادلة أخرى لا تقل صعوبة: كيف يوفر تعليما يطمئن إليه لأبنائه دون أن تستنزف كلفته دخله؟

فالتعليم الخصوصي لا يعني أداء واجب شهري واحد فقط. تبدأ الفاتورة في عدد من المؤسسات برسوم التسجيل أو إعادة التسجيل والتأمين، ثم تضاف إليها واجبات التمدرس، والنقل المدرسي عند الحاجة، والإطعام والكتب واللوازم والزي والأنشطة والخدمات الأخرى. وهي مكونات أصبحت حاضرة حتى في النقاش القانوني حول تنظيم العلاقة بين المدارس الخاصة والأسر، مع توجه نحو إلزام المؤسسات بإشهار مختلف الرسوم المرتبطة بالتسجيل والتأمين والتمدرس والإطعام والنقل.

وتزداد الكلفة ثقلا عندما ترتفع الرسوم من موسم دراسي إلى آخر. وقد أعادت الزيادات في بعض مؤسسات التعليم الخاص خلال 2026 النقاش حول قدرة الأسر على مواكبة ارتفاع مصاريف التمدرس، في ظل هامش واسع تتمتع به المؤسسات الخاصة في تحديد أسعار خدماتها، مع خضوع العلاقة في الوقت نفسه لقواعد المنافسة وحماية المستهلك.

ولا يظهر العبء الحقيقي دائما عند احتساب مصاريف شهر واحد، بل عند جمع ما تؤديه الأسرة خلال سنة دراسية كاملة. فالواجب الشهري الذي قد يبدو قابلا للتحمل يتحول، بعد إضافة التسجيل والنقل والتأمين وباقي الخدمات، إلى التزام سنوي مهم، ثم يتضاعف عندما يكون للأسرة طفلان أو ثلاثة في التعليم الخصوصي.

وتقدم بعض شبكات التعليم الخاص الأكثر كلفة مثالا واضحا على حجم ما يمكن أن تصل إليه الفاتورة. ففي بعض المؤسسات الفرنسية بالمغرب، وصلت الرسوم السنوية المعلنة للموسم 2026-2027 إلى أكثر من 50 ألف درهم بالنسبة إلى بعض المستويات والتلاميذ، وقد تصل إلى 60 ألف درهم في الثانوي، دون احتساب بعض المصاريف الأخرى، فيما يمكن أن تضاف عند أول تسجيل رسوم تصل إلى 30 ألف درهم.

ولا يمكن تعميم هذه الأسعار على مجمل المدارس الخاصة بالمغرب، إذ تختلف الرسوم بشكل كبير حسب المؤسسة والمدينة والمستوى الدراسي والخدمات المقدمة، لكنها تكشف إلى أي مدى يمكن أن يصبح التعليم عبئا ماليا ثقيلا عندما تبحث الأسرة عن بديل للمدرسة العمومية.

وتصبح المعادلة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الطبقة المتوسطة، التي قد لا تكون مؤهلة للحصول على أشكال الدعم الموجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، وفي الوقت نفسه لا تمتلك دخلا يسمح لها بتحمل رسوم مرتفعة بسهولة. وهكذا قد تجد الأسرة نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها ونفقاتها الشهرية حتى تحافظ على تمدرس أبنائها في المؤسسة التي اختارتها.

وتزداد المفارقة بالنسبة إلى هذه الأسر في الجانب الضريبي. فرغم أن رسوم المدرسة الخاصة تمثل جزءا مهما من دخل الأسرة، فإن مصاريف تمدرس الأبناء لا تمنح، في النظام العام للضريبة على الدخل، خصما شخصيا مباشرا يعادل ما تؤديه الأسرة للمؤسسة التعليمية. وبالتالي، تتحمل الأسرة كلفة التعليم الخصوصي من دخلها المتاح بعد الالتزامات الضريبية.

ولا يعني التوجه إلى القطاع الخاص ضمان جودة تعليمية أفضل في جميع المؤسسات، كما لا تعكس نتائج “PISA” أداء المدرسة العمومية وحدها، باعتبار أن الدراسة تقيس المنظومة التعليمية المغربية. غير أن البحث عن بديل مدفوع من طرف جزء من الأسر يعيد طرح سؤال أساسي حول قدرة المدرسة العمومية على توفير تعليم جيد ومتكافئ يقلص الحاجة إلى ربط جودة تمدرس الطفل بالقدرة المالية لوالديه.

زر الذهاب إلى الأعلى