الأخبارالمغرب

العمال المغاربة بإسبانيا في صلب أكبر عملية تسوية قانونية

أطلقت إسبانيا عملية واسعة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين المقيمين على أراضيها، في خطوة يُتوقع أن يستفيد منها مئات الآلاف من الأشخاص، من بينهم عدد كبير من العمال المغاربة الذين يعيشون منذ سنوات في وضعية قانونية غير مستقرة.

وتندرج هذه المبادرة، التي يقودها الحكومة الإسبانية ذات التوجه اليساري، ضمن سياسة تهدف إلى إدماج اليد العاملة الموجودة فعلياً في سوق الشغل، خاصة في القطاعات التي تعاني من خصاص واضح مثل الفلاحة. ومن المرتقب أن يستمر تنفيذ هذا الإجراء إلى غاية شهر يونيو المقبل.

في جنوب إسبانيا، وبالخصوص في مقاطعة ألميريا، تُعدّ هذه التسوية فرصة محتملة للخروج من دائرة الهشاشة والعمل غير المهيكل. فهناك، يعتمد القطاع الفلاحي بشكل كبير على العمال المهاجرين، خصوصاً في البيوت البلاستيكية التي تمتد على مساحات شاسعة وتغذي السوق الأوروبية بالخضر والفواكه.

ويشكل العمال المغاربة جزءاً أساسياً من هذه اليد العاملة، حيث يعمل العديد منهم في ظروف صعبة وبدون عقود رسمية، ما يحدّ من قدرتهم على الاستقرار المهني والاجتماعي، ويجعلهم عرضة للتقلبات اليومية في سوق العمل.

في مناطق الإنتاج الفلاحي، يتجمع عدد من العمال يومياً قرب الطرقات والدواوير في انتظار فرص عمل مؤقتة، في ظل نظام تشغيل يعتمد على “اليومية”. ووفق معطيات نقابية، لا يتجاوز الأجر في بعض الحالات 6 يورو للساعة، ما يعكس حجم الهشاشة التي يعيشها جزء من هؤلاء العمال.

وترى الحكومة الإسبانية أن تسوية الوضعية القانونية لهذه الفئة ستُمكّن من إدماجها في سوق الشغل بشكل رسمي، مع الحصول على عقود عمل، وتحسين الأجور، والاستفادة من التغطية الاجتماعية، وهو ما من شأنه تقليص حجم الاقتصاد غير المهيكل في القطاع الفلاحي.

كما تبرز المقاطعة الفلاحية بألميريا كأحد أبرز الأقطاب الزراعية في أوروبا، حيث تضم أكثر من 30 ألف هكتار من الزراعات المكثفة داخل البيوت البلاستيكية، وتحقق صادرات سنوية تُقدّر بحوالي 3 مليارات يورو، وتشغّل ما يقارب 80 ألف عامل.

غير أن هذا النمو الاقتصادي يظل، بحسب منظمات حقوقية ونقابية، مرتبطاً بواقع اجتماعي صعب يعيشه جزء من العمال، حيث تنتشر مخيمات عشوائية تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، بما في ذلك الماء والكهرباء والخدمات الأساسية.

وتأمل الحكومة من خلال هذه الخطوة أيضاً الاستجابة لحاجيات سوق العمل، في ظل النقص المتزايد في اليد العاملة، خاصة في القطاعات التي تتطلب جهداً يدوياً مستمراً، مثل الفلاحة. كما تراهن على تقليص الاعتماد على العمالة غير النظامية.

سياسياً، تثير هذه المبادرة جدلاً داخل إسبانيا، حيث تعارضها قوى اليمين التي ترى فيها ضغطاً إضافياً على الخدمات العمومية، في حين تدافع الحكومة عنها باعتبارها حلاً عملياً يرتبط بالتحولات الديمغرافية واحتياجات الاقتصاد.

وبحسب تقديرات مراكز بحثية إسبانية، فإن مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين يساهمون فعلياً في سوق الشغل، ما يجعل مسألة إدماجهم قانونياً جزءاً من النقاش الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

بالنسبة للعمال المغاربة، تمثل هذه العملية فرصة محتملة للخروج من وضعية “العمل في الظل”، نحو وضع قانوني يضمن الاستقرار المهني والاجتماعي، ويفتح المجال أمام تنقل أكثر حرية بين إسبانيا والمغرب، بعد سنوات من العمل في ظروف غير مستقرة.

وتظل هذه الخطوة، رغم أهميتها، غير كافية بمفردها لمعالجة كل إشكالات الهجرة والعمل غير النظامي، لكنها قد تشكل تحولاً مهماً في مسار إدماج فئة واسعة من العمال المهاجرين داخل الاقتصاد الإسباني بشكل قانوني ومنظم.

زر الذهاب إلى الأعلى