لم تكن الفترة الممتدة بين يوليوز 2025 ويوليوز 2026 مجرد محطة زمنية عادية في مسار قضية الصحراء المغربية، بل شكلت مرحلة اتسمت بتعزيز المكتسبات الدبلوماسية للمملكة وتوسيع دائرة التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، في سياق إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى وإعادة تشكيل التحالفات.
فخلال هذه السنة، واصل المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نهجه القائم على الجمع بين التحرك الدبلوماسي الفاعل، وترسيخ التنمية بالأقاليم الجنوبية، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية، وهو ما انعكس في مواقف سياسية جديدة، وقرارات أممية مهمة، فضلاً عن استمرار الاعتراف الدولي المتزايد بواقعية المبادرة المغربية.
توسع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي
أحد أبرز مكاسب هذه المرحلة تمثل في اتساع دائرة الدول التي باتت تعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي الإطار الأكثر جدية ومصداقية لتسوية النزاع الإقليمي. ففي يونيو 2025، أعلنت المملكة المتحدة، لأول مرة، أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 تمثل “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية” من أجل التوصل إلى حل دائم للنزاع، وهو موقف اعتبرته الرباط تحولاً مهماً داخل واحدة من الدول المؤثرة في مجلس الأمن.
ولم تمض سوى أسابيع حتى انضمت البرتغال، في يوليوز 2025، إلى هذا التوجه، مؤكدة في بيان مشترك عقب مباحثات وزيري خارجية البلدين أن المبادرة المغربية تشكل “أساساً جدياً وذا مصداقية” لتسوية النزاع. واكتسب هذا الموقف أهمية إضافية بالنظر إلى مكانة البرتغال كشريك أوروبي وجار للمغرب، كما عزز الدينامية الأوروبية التي كانت قد دشنتها إسبانيا ثم فرنسا.
وتؤكد المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أن أكثر من 120 دولة عبر العالم أصبحت تدعم المبادرة المغربية بدرجات متفاوتة، وهو ما تعتبره المملكة دليلاً على اتساع الإجماع الدولي حول الحل الذي تقترحه لإنهاء هذا النزاع الإقليمي.
القرار 2797.. تحول في المسار الأممي
على مستوى الأمم المتحدة، شكل القرار رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في أكتوبر 2025، إحدى أبرز المحطات خلال السنة موضوع الرصد. فإلى جانب تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) إلى غاية 31 أكتوبر 2026، كرّس القرار المنحى الذي اعتمده المجلس خلال السنوات الأخيرة والقائم على الدفع نحو حل سياسي واقعي ودائم وقائم على التوافق.
وشكل القرار محطة بارزة لأنه عزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي داخل مسار التسوية، باعتبارها المرجعية الأكثر واقعية للمفاوضات المستقبلية، وهو ما اعتبرته الرباط تكريساً للتطور الذي تشهده مقاربة مجلس الأمن لهذا الملف.
كما جاء القرار في سياق استمرار تبني عدد متزايد من الدول المؤثرة لمقاربة تعتبر أن المبادرة المغربية تمثل الإطار الأكثر قابلية للتطبيق لإنهاء هذا النزاع الذي عمر لعقود.
“عيد الوحدة”.. تخليد لمحطة دبلوماسية مفصلية
في تطور ذي حمولة سياسية ورمزية، أعلنت المملكة المغربية اعتماد31 أكتوبر من كل سنة عيداً وطنياً جديداً تحت اسم “عيد الوحدة”، وذلك عقب صدور القرار الأممي رقم 2797. حيث أوضح بلاغ الديوان الملكي أن هذه المناسبة تجسد “تحولاً تاريخياً في مسار القضية الوطنية”، وأن اختيار هذا التاريخ يعكس رمزية التمسك بالوحدة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.
ويمثل إقرار هذا العيد الوطني محطة جديدة في مسار تخليد أبرز المحطات المرتبطة بالقضية الوطنية، باعتبارها قضية تحظى بإجماع وطني وتشكل أولوية في السياسة الخارجية المغربية.
استمرار الدعم الفرنسي والأمريكي
واصل المغرب خلال هذه الفترة استثمار الزخم الذي أحدثه الموقف الفرنسي المعلن سنة 2024، والذي اعتبر أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية. وانعكس هذا التوجه في تكثيف التنسيق السياسي بين الرباط وباريس، إلى جانب مواصلة الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية بالأقاليم الجنوبية، وهو ما اعتبرته المملكة ترجمة عملية للموقف الفرنسي الداعم للوحدة الترابية.
كما حافظت الولايات المتحدة على موقفها الداعم للمغرب، مع تجديد الإدارة الأمريكية خلال سنة 2025 تأكيدها أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الأساس الأكثر جدية وواقعية للتوصل إلى حل دائم للنزاع، بما يعكس استمرارية هذا التوجه داخل السياسة الأمريكية تجاه الملف.
التنمية بالأقاليم الجنوبية.. رافعة للموقف المغربي
بالموازاة مع التحركات السياسية، واصل المغرب تعزيز حضوره المؤسساتي والاقتصادي بالأقاليم الجنوبية، في إطار النموذج التنموي الجديد الذي أطلقه جلالة الملك. فقد استمرت القنصليات العامة التابعة لدول إفريقية وعربية وكاريبية في مزاولة مهامها بكل من العيون والداخلة، وهو ما تعتبره الرباط أحد أبرز المؤشرات العملية على الاعتراف بسيادتها على الصحراء.
كما شهدت الأقاليم الجنوبية مواصلة إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى، من أبرزها ميناء الداخلة الأطلسي، وتطوير شبكات الطرق، والاستثمارات في الطاقات المتجددة، وقطاع الصيد البحري، والخدمات اللوجستية، بما يعزز موقع المنطقة كبوابة اقتصادية نحو إفريقيا والفضاء الأطلسي.
دبلوماسية متعددة الأبعاد
تكشف حصيلة الفترة الممتدة بين يوليوز 2025 ويوليوز 2026 أن الدبلوماسية المغربية لم تعد تقتصر على الدفاع عن الموقف السياسي داخل المحافل الدولية، بل أصبحت تعتمد مقاربة شاملة تجمع بين العمل الدبلوماسي، والشراكات الاقتصادية، والتنمية الترابية، والانفتاح على العمقين الإفريقي والأطلسي.
كما أظهرت هذه السنة استمرار تراجع الأطروحات المنافسة داخل عدد من المحافل الدولية، مقابل تنامي القناعة بأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الإطار الأكثر واقعية لإنهاء هذا النزاع، وهو ما تعكسه المواقف الصادرة عن دول أوروبية وازنة، فضلاً عن المنحى الذي باتت تسلكه قرارات مجلس الأمن.
سنة لترسيخ المكتسبات
وبفضل التحرك الدبلوماسي المتواصل، والدعم المتنامي من شركاء دوليين مؤثرين، والرهان على التنمية بالأقاليم الجنوبية، عزز المغرب موقعه داخل المنتظم الدولي، ورسخ قناعة متزايدة لدى عدد متنام من الدول بأن تسوية هذا النزاع تمر عبر المبادرة المغربية، بما يمنح الدبلوماسية المغربية رصيداً إضافياً في مسار الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.





